مواقف الصناديد وميثاق تأسيس السودان الجديد! 

مواقف الصناديد وميثاق تأسيس السودان الجديد! 

 

[(الصناديد: مجموعة تقدم للسلام والوحدة، مجموعة قمم والمستشارية السياسية للدعم السريع)]

 

عبدالرازق أنقابو،،،

angabo7@hotmail.com

. 23 فبراير 2025م

 

حينما أطلقت الحركة الشعبية لتحرير السودان، شعارها “السودان الجديد!”، كنا نتساءل حينها ونحن تحت تاثير الدعاية الإعلامية الضخمة للنظام البائد – بالقول: مماذا يتم تحرير السودان؟، وما هي الحاجة لتأسيس سودان جديد؟ لكن تبين لاحقا، من تلك الاتفاقيات المجحفة بحق وحدة السودان، والتي انتهت بفصل جنوبه عن شماله، وإلي تلك المحاصصات الاسترضائية التي هدفها تفكيك حركات التمرد في دارفور، تبين أن كل ذلك، هو فقط لأجل بقاء ذلك النظام البائد في السلطة، ولو علي حساب وحدة البلاد وطموحات العباد! وتأتي هذه الاتفاقيات الغير مخاطبة لجذور الصراع، وما يصحبها من حملات إعلام تضليلية وتكريمات واحتفالات حاشدة، مجرد مؤامرة للتمويه والتغطية لذلك المتسيد بالسيطرة علي حكم البلاد، منذ استقلالها وحتي تاريخ إندلاع هذه الحرب الجارية الآن! تلك المؤامرة هي ما جعلتنا نراجع ونتراجع عن تلك الدعاية الإعلامية والندائية الجهادية للنظام البائد، المسنودة بأناشيد وأشعار، وشعارات تهديد لما وراء البحار، وبمؤلفات ومقالات تتويه لكتاب كبار – كنا نعدهم من الأخيار!

 

وبما أن البلاد تشهد الآن في العاصمة نيروبي ميلاد ميثاق ذلك السودان الجديد، فإن المفاجأت لتتري بين من سيعترفون بهذا الميثاق وحكومته المرتقبة إقليميا ودوليا، وبين من يلحقون به محليا من أحزاب سياسية أخرى وحركات مسلحة، وبين من فوضهم الشعب السوداني في ثورة التحرير والتغيير المجيدة، من أعضاء تنسيقية تقدم، وهم في حال مواقف متباينة منه – قبولا وتحفظا! إلا أنه مع كل ذلك، فان فرص نجاح الميثاق التأسيسي وقبوله، هي الأوفر حظا من مواقف المتحفظين عليه وعلي راسهم مجموعة صمود المنشقة من تقدم! ذلك، لان موقف صمود – في اسوا الفروض، مبني علي نظرتها المغايرة الاقصائية للدعم السريع – كشريك في الملف السياسي لأى تسوية مرتقبة، مع علمها أنه هو الزراع الحامي للثورة المجيدة، ولولا إنحيازه التاريخي للثورة لما سقط البشير لهذا اليوم! وهذه النظرة – هي نفسها، التي توليها الحكومة للدعم السريع – بعدم تجاوز الإتفاق معه، حدود ملف الترتيبات الأمنية، وهذا هو سر تمسكها بإعلان جدة، الذي تجاوزته مستجدات الحرب – رقعة جغرافية وتطورات سياسية مستحقة!

 

عليه، فان المتوقع من مجموعة صمود بسبب مواقف الدعم السريع الصارمة تجاه عودة النظام البائد وحليفه تنظيم الإخوان للسلطة، أن تعمل علي إجتزاء نضال العمل الثوري واسقاطه علي ثورة ديسمبر باعتبارها سلمية بحتة – دون الحاحة السياسية للدعم السريع، ولكأن الحرب عليه هي بمعزل عن تاريخ تلك الصراعات مع النخب المركزية وانظمتها الحاكمة بالخرطوم، لما يزيد عن ستين عاما من عمر إستقلال البلاد! لذا، فالسؤال هنا: كيف نتصور تحقيق سلام في السودان يأخذ بالرؤي الإصلاحية للدعم السريع ويستبعد شراكته في أي إتفاق سياسي محتمل؟ وهذا مرة اخري – تعني، التماهي مع رؤية الحكومة للدعم السريع، باعتباره قوة إنقلابية مردودة، لا برنامج ولا خلفية سياسية لها! علما بأنه، لولا الوقفة التاريخية للدعم السريع ورعايته الحالية لمؤتمر الميثاق التأسيسي، الناتج كضرورة إستباقية – مقتضاة، لتوفير الغطاء الشرعي لرؤيته بإنشاء حكومة موزاية، لما اجتمع ممثلوا الشعب السوداني من حركات النضال وأحزاب سياسية وزعماء إدارات أهلية وغيرهم من رموز وجهات إعتبارية، لإنجاح هذا المؤتمر التاريخي والاستثنائي في نوعه!

 

فالناظر لعملية انشقاق تنسيقية تقدم. بسبب قيام حكومة موازية يسبقها إتفاق علي ولادة ميثاق تأسيسي للسودان الجديد، هو في واقع الأمر، إنتفاء لتنسيقية تقدم برمتها، والتي قضي عليها عمليا إنقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١م، بسبب عدم تدارك الوثيقة الدستورية ومخاطبتها لمهددات ظاهرة الانقلابات العسكرية المحتملة في أي لحظة، تماما كما شهدت علي نفسها الفترة الإنتقالية من محاولات إنقلابية! فالخلل القاتل في الوثيقة الدستورية وحكومتها الإنقلابية، انها لم تتحوط في نصوصها بعدم الإعتراف والتعامل مع من يأخذ السلطة بقوة السلاح! دلالة هذا الخلل، نجدها في تلك المحاولات الإنقلابية التسع حتي أطاحت بها – دون رجعة، في ذلك الإنقلاب الأخير المشؤوم! فكل محاولات تنسيقية تقدم – ما بعد الحرب، التي تبزل من باب الحياد، دون النظر لإزالة وجوه الانقلابيين من المشهد، فهي مجرد إقرار بالأمر الواقع (حكومة بورتسودان)، هي مطالبة في ذات الوقت – من ذلك الحياد، بالاقرار أيضا بحق الدعم السريع، اعلانه حكومة موازية بالخرطوم!

 

وللمناسبة، فإن علي مجموعة صمود مراجعة موقفها تجاه رؤي الدعم السريع واعادة النظر فيما تم التواصل إليه من إتفاق في نيروبي! ذلك باعتبار ان هذه الحرب، خلقت واقعا مغايرا حدد مواضع الخلل وشخص مكامن الأزمة، حيث صار ادني ما في ذلك الواقع المستجد الملبي طموحات الشعب السوداني، هو ذهاب النظام القديم برمته ودولته العميقة وحليفها تنظيم الإخوان إلي غير رجعة! وإلا فإن الحروب لن تتوقف بالتماهي مع الدولة العميقة لأجل بقائها واستمرارها، حيث يبقي السؤال النهائي ههنا: إلي متي يظل السودان بلدا مضطربا ومقعدا بالحروب الأهلية، إلي ما لا نهاية؟!

 

وهنا، فإن أزمة تميز السودان – بشهوده، أطول الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية في أفريقيا، لم تكن – كأزمة، مستعصية علي الحلول، لكنها – لعوامل التسييس والإستغلال، صارت انموزجا للظهور والتجدد بين إقليم وآخر! ذلك التسييس والإستغلال المقصود، إنتهي إلى خلق أنظمة حكم متتالية، هي اساس مشكل السودان، بسبب جريمة تعايشها مع أزماته المتجددة – دون مخاطبة جوهرية لها، سواءا كانت ثورات سلمية أم نزاعات مسلحة! ومع هذا الوضع المشهود، تبين أن فشل النخب المركزية في إحتواء هذه الأزمات المتجددة، لم يكن مجرد فشل بقدر ما انه جريمة أخري، تضاف لجريمة ذات الأنظمة التي هي في حال استعداد (عسكري/سياسي)، لمجابهة هذه الثورات – إما بقمعها، او احتوائها بتسوية – ايا تكن، تضمن بها بقائها في السلطة – لوحدها، دون غيرها! بهذا الوصف المبسط لدوامة الصراع والأزمات في السودان، نستنتج ان عوامل تنشوئها وتجددها ببن عقد وآخر، تكمن في ست ملاحظات – تفاصيلها بالآتي:

 

اولا – وجود طرف مستفيد من كل الصراعات الدائرة في السودان:

تكرار حدوث التمردات والاضطرابات السياسية في السودان وتعايش الأنظمة الحاكمة معها دون مخاطبة جذرية، يمثل جريمة استثمار لهكذا وضع، هو ما أدى نهاية الأمر لخلق جهة مستفيدة، من كل ثورات تحدث في السودان وكل تظاهرات تخرج فيه! تتمظهر هذه الاستفادة حاليا في هذه الحرب الدائرة، من القفز بوصفها عبثية تقتضي الوقف عاجلا، إلي وصفها بأنها حرب كرامة تتطلب المواصلة فيها قتالا معاجلا!

 

ثانيا – التماهي مع ذلك المسكوت عنه:

أن تلك الجهة المستفيدة هي ما اسست لقيام دولة عميقة – مسكوت عنها لهذا اليوم، هي ما تسيدت المشهد منذ أول تمرد تشهده البلاد وحتي تاريخ إندلاع هذه الحرب الجارية! ذلك، بالسطو علي موارد الدولة – فسادا، وبالهيمنة الجهوية علي المنظومة العسكرية والأمنية – إستبدادا، لضمان بقائها واستمرارها في السلطة! [مراجعة كتاب فتحي الضو: الخندق – أسرار دولة الفساد والإستبداد]

 

ثالثا – جريمة الإبقاء علي جغرافية بعينها موردا للخامات مع تحويلها ساحة للتخلف والصراعات:

انحصار حالات التمرد والحروب الأهلية بجغرافية محددة، لا يؤكد الجهوية السلبية في إدارة الصراع وتنميطه بذلك المفهوم وحسب، إنما يؤكد مدي العنصرية الممارسة بحق جهات تركت متخلفة، هي ما عرفت في مصطلحات الأزمة السودانية، بمناطق المهمشين! هذه الجغرافيا المنتقاة، هي ما تمت فيها – دون غيرها من اقاليم السودان، إبادات جماعية واستباحات ممنهجة، من تدمير وقصف وارهاب ونزوح وتهجير واغتصاب، تماما كما يجري الآن في مناطق تم قصفها إنتقائيا بالبراميل المتفجرة والمدفعية الثقيلة، أثناء هذه الحرب الجارية الآن!

 

رابعا: ممارسة الخداع والانتهازية في كل الاتفاقيات السياسية:

نجاح مخطط محسوبي الدولة العميقة في تسلق قيادة الأحزاب السياسية وخاصة الحركة الإسلامية وتياراتها المتعددة، هو ما أدي لتماهي هذه الأحزاب وتسخيرها لمجرد وسائل تخدم أجندة بقائها في السلطة! لذا فان اي تسوية محضورة بهذه الأحزاب المسخرة، كتب عليها أن تنتهي بطريقة لا تخاطب جذور أزمات البلاد، مما جعلها تشهد حروبا متكررة، بين كل عقد وآخر!

 

خامسا – جريمة إبقاء الدولة في حالة اللا إستقرار بصراعات متحكم فيها:

كل الانقلابات العسكرية وما يتبعها من ثورات سلمية أو ممارسة ديمقراطية، عادة ما تنتهي بتكرار ذات الرموز الجهوية في السلطة، وهذا ما يجعل الاطراف المغبونة من هكذا وفاق، تطور موقفها المتحفظة لمعارضة مسلحة! هذه الوفاقية، لا يمكن أن تاتي مصادفة، إن لم يكن من ورائها ما يخطط وينظر لجهة مستفيدة ما، لا يعنيها الاستقرار بقدر ما يهمها ابقاء الهامش علي ما هو عليه، لتبقي هي – لوحدها علي سدة الحكم، حتي إشعار آخر!

 

سادسا – سياسة التغبيش والتيه والتتويه:

من أساليب بقاء الدولة العميقة، هي شغل منافسيها المحتملين وشلهم عن التفكير فيما يغير وضع حياتهم لما هو احسن وأفضل، وذلك بتسخير الإعلام للدعاية التضليلية المغروضة! وهنا فقد درجت الأنظمة المتعاقبة وعلي رأسها النظام البائد، علي الاتيان ببرامج إلهاء عبر الآلة الإعلامية الرسمية للدولة، معززة بدخول المخدرات وكل يفضي لانحلال الفئات المستهدفة المقصودة، اخذا لعقولهم بعيدا عما ياخذ بأيديهم لرشدهم والنظر في تغيير واقعهم، بحلول جذرية نهائية!

 

أخذا بالملاحظات أعلاه، فإن الحرب الجارية – بغض النظر عن كونها تمرد أو محاولة إنقلابية أو حرب مفروضة علي اي طرف من أطرافها، فإنها – من حيث طبيعتها التي إتخذت، ليست بمعزل عن الحروب الأهلية التي حدثت بالبلاد، منذ العام ١٩٥٥م وإلي الآن، حيث القاسم المشترك فيها، هو إزالة الظلم المتراكم من النخبة المركزية بالخرطوم! الشاهد في الأمر – المؤكد لطبيعة هذه الحرب، من كونها امتداد لما سبقها من حروب، يتمثل في الآتي:

 

اولا: أن هذه الحرب ما كانت لتحدث البتة، لو أن الطرف الأول وافق علي توقيع الإتفاق الإطاري! ولكنه تعمد عدم التوقيع، إصرارا وثقة في دخولها، بهزيمة الدعم السريع، بحدود الأربع ساعات – لا غير! ذلك، باعتبار الدعم السريع مشروع تمرد آخر – محتمل، يتحتم قمعه بطريقة إستباقية، وحسب!

 

ثانيا: بعد التسليم بوقوع الحرب، فإنها ما كانت لتستمر لأسبوع واحد، لو أن الطرف الأول وافق بمد يده للطرف الثاني، الذي ظل جانحا للسلم لسبعة عشر شهرا بالتمام، دون استجابة منه لهذا اليوم! ولئن تم ذلك، فيحمد لطرفي الحرب معا، تفادي البلاد ما حل بها من هلاك وخراب ونهب وجوع ونزوح وتهجير! لكنها هي المواقف اللا سوية التي هددت بالحرب وروجت لاستمرارها، باعتبارها تمرد وجب قمعه ولو ادي لموت (٤٨) مليون مواطنا، ولو تستمر الحرب (١٠٠) عاما!

 

ثالثا: هذه الحرب لو كانت عبثية كما وصفها الطرف الأول، لكان تم إيقافها لعبثيتها (بإنتفاء الهدف!)، ولكن حقيقتها المضمرة، هي ما كشفت عن أنها “حرب كرامة” إضفاءا للقدسية والصفة الجهادية عليها – لتستمر، حتي تحقق هدفها! ذلك الهدف، هو القضاء التام علي الدعم السريع وحواضنه وكل يناصره، باعتباره أكبر مهدد وجودي في تاربخ الدولة العميقة (دولة-٥٦) في السودان!

 

رابعا: بعد وصول وفد قيادة الدعم السريع للتوقيع على الإتفاق الإطاري تغيب وفد الجيش دونما تبرير واضح منه، ليتبين للمتابعين والمراقبين – لاحقا، أن قيادة الجيش هي ما اختارت خيار الحرب، صبيحة ١٥ أبريل ٢٠٢٣م! هذا الموقف التاريخي اللا وطني برفض التوقيع علي الإتفاق الإطاري، يحسب علي الجيش، باعتباره دخل حربا مفروضة عليه من قبل قيادة جهوية لا علاقة لها بقومية الجيش ولا بقراراته المصيرية التي تراعي المصلحة الوطنية أولا! [مراجعة مقالنا: السودان – القرارات القومية وعادة تغليب المصلحة الجهوية علي المصلحة الوطنية: التهديد بمواجهة الدعم السريع – مثالا! بتاريخ: ١٠ مارس ٢٠٢٣م]

 

خامسا: رفض الطرف الأول لجميع المبادرات والجهود الداعية لوقف الحرب، بما فيها مبادرة جنيف الأخيرة، إنما إمعانا في الإستمرار في الحرب، تمشيا مع وصفها المتطرف كحرب جهاد علي الدعم السريع!

 

مع هذه الحقائق الخاصة بخلفية دوامة الصراع في السودان وطبيعة الحرب الدائرة الآن، والجهود المبزولة لوقفها منذ إعلان جدة ومرورا بمؤتمر جنيف وانتهاءا بما يجري الآن بنيروبي، فإن مواقف السودانيين رغم تباينها بين موالين للجيش وموالين للدعم السريع هي مواقف طبيعية كعادة اي صراع، ينطوي علي تباين سياسي وجهوي واثني! لكن المأخذ علي من آثروا الوقوف محايدين – سلبيا، ولكأن هذه الحرب الغير مسبوقة في تاريخ البلاد، لا تعنيهم بشئ!

 

ففي هذا الخصوص، فإن ما يحب تذكير المحايدين به وخاصة مجموعة صمود، هو أن القران الكريم والسنة النبوية تحثنا في حال هكذا احتراب، للقيام بما يصلح بين المتحاربين ب: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فاصلحوا بينهما، فإن بغت احداهما علي الأخري، فقاتلوا التي تبغي حتي تفيئ الي امر الله، فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل والقسط، إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون)، اضافة للعمل بحديث: (“انصر أخاك ظالما او مظلوما” – برده عن الظلم إن كان ظالما، وبمناصرته إن كان مظلوما)! وهنا، فإن مواقف الصناديد وجهدهم في صناعة حكومة سلام ووحدة وتاسيسهم لميثاق بناء سودان جديد، إنما يرتكز بداية مع مبدا وقف الحرب، كمطلب جماهيري ينشده الدين والشعب المتأزي من ويلات هذه الحرب الظالمة المفروضة عليه!

 

ففي مقابل هذا التوجيه الديني والإلتزام الأخلاقي، ما معني حياد “المحايدون” في هذه الحرب؟ أليس هو حيادا سلبيا أن نتهرب من مسؤوليتنا وننزوي بعيدا، وذات السنة النبوية، تهدنا إلى أن: (المؤمن القوي خير واحب عند الله من الضعيف)! عليه، إذا ما اسقطنا ردود الفعل المحتملة علي حقيقة الحرب وخلفية وقوعها الخداعية، وطبيعتها الوجودية الجهادية، واتجاهها الجهوي الذي إتخذت، والمواقف الأخلاقية والدينية المتوقع إتخاذها فيها، علي كل اولئكم المحايدون و”صمود” معهم تحديدا، مع مفهوم حيادها الخاص بها، فإنه يمكننا ان نخلص إلي الآتي:

 

اولا: مجموعة صمود المحايدة الآن، لا معني لحيادها مع طرف مصرف علي استمرار القتال، حيث المبدا الأخلاقي والوازع الديني، يلزمها الوقوف مع الطرف المؤيد وقف الحرب دون شرط او قيد. وان انشقاق تنسيقية تقدم في هذا الخصوص، إنما يعكس او يكشف حقيقة مكون التنسيقية ومدي تماهي بعضا من أعضائها، مع ما يخدم أجندة الطرف المصر علي مواصلة الحرب! وإلا فان مجموعة صمود ستصتدم برغبة الشعب السوداني في احلال السلام، وهو ما يجبرها – كما اسلفنا بمراجعة مواقفها واعادة نظرتها، لوضع يدها مع من ينادي بوقف الحرب، وتعرية الطرف الآخر “قيادة الجيش”، باعتبارهم “خارقي عادة”، يستلزم مقاطعتهم وحظرهم، بل وقتالهم، كما الموقف المتجلي الآن للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال!

 

ثانيا: إن المبررات الداعية لقيام حكومة موازية، سببها الأساس قرارات البرهان المعطلة للخدمات الأمنية والعدلية والمدنية في كل موقع ومنطقة تسقط عن سيطرته، إضافة لفرضه حصارا وحظرا إقتصاديا، لدرجة منعه دخول المساعدات الإنسانية إليها، بهدف تعطيل الحياة فيها واغراقها في الفوضي التامة! فما هي البدائل المحتملة عند مجموعة صمود، بينما لا رؤيا سلام تلوح في الأفق، من قبل الطرف الأول المصر علي إستمرار الحرب! [مراجعة مقالنا: أما آن للدعم السريع إعلان حكومته الموازية – ١٨ اكتوبر ٢٠٢٤م]

 

ثالثا: إن جلب السلام والأمان يعد أولوية قصوي عند المواطن السودانى المغلوب علي أمره! وما تم في نيروبي من إتفاق، يعد أفضل الخيارات المتاحة لصناديد السلام لبلوغ ذلك، عبر مخاطبة جذرية لجوهر الصراعات في السودان! ويظل السؤال لائحا، بغض النظر عن الانقسام القائم في تنسيقية تقدم، ما هي ردة فعل مجموعة صمود علي ما تم من إتفاق، يؤسس لحلول نهائية للحروب في السودان، ويعجل بوقف الحرب – سلما أو حربا، لأجل رفع المعاناة عن كاهل المواطن المغلوب؟

 

ختاما، بما أن مواقف النخب المركزية، ونعني بها تحديدا “تنسيقية تقدم”، كجسم ممثل لثورة ديسمبر المجيدة التي اطاحت باعتي نظام دكتاتوري في تاريخ أفريقيا الحديث، فان حالة الانقسام التي شهدتها تقدم، هي مجرد مفاصلة بين التماهي مع الأنظمة الظالمة لأجل إعادة تدويرها بطريقة أو بأخرى للحكم، وبين من يصرون علي استئصالها من جذورها بعيدا عن السلطة! هذه المفاصلة كنا نتوقع حدوثها بين تنظيم الإخوان عندما صرحت القيادية الإخوانية سناء حمد، بأنهم: نصيون، يتمسكون بالكتاب والسنة! إذ كان المتوقع حينها، حدوث انشقاق او مفاصلة أخري في حزب الموتمر الوطني، إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث لحد الآن، حيث مرت تلك “النصوصية” مرور الكرام، ولم تنعكس لهذا اليوم في وقف الحرب بأي شكل من الأشكال! من هذا يتضح أن تنظيم الإخوان – بقيادته الحالية، هو مجرد آلية (Tool) بيد جهة ما، هي المسيطر الفعلي فيما يخص اتخاذ القرارات والمواقف المتعلقة بالحرب – حربا ام سلما!

 

عليه، فإن الانشقاق الذي طال تنسيقية تقدم وهو ما توقعنا حدوثه حال قيام الدعم السريع إنشاء حكومة موازية بمناطق سيطرته، فإن الكفة الراجحة ستكون مع مجموعة تقدم – صناديد صناعة السلام والوحدة، الذين راؤا بضررة وأهمية قيام هذه الحكومة، وما علي مجموعة صمود وهي ماضية في حيادها المعهود، إما أن تنصح البرهان بوضع السلاح جانبا وقبول السلام، وهذا ما لا يتوقع منها القيام به البتة، أو أن تلحق لتكون جزءا من ميثاق ميلاد التأسيس والسلام، او تمضي غير ماسوف عليها … والسلام!

Comments (0)
Add Comment