الأزمة السودانية مفاضلة بين العلمانية و الدولة الدينية

مليح يعقوب حماد

الأزمة السودانية

مفاضلة بين العلمانية و الدولة الدينية

مليح يعقوب حماد

باحث بالمركز الأفريقي للديمقراطية والتنمية

 

يعتبر موضوع الهوية من أكثر القضايا الخلافية المثارة باستمرار في أروقة السياسة السودانية وقد تبارت حولها العديد من الأطروحات، ونجحت إلى حد ما في تفكيك شفراتها، فالعصف الذهني حولها يستمر إلى حين وآخر ويتباين من مجموعة لأخري، وبرغم الجدل المثار حولها إلا أنها ظلّت راسخة في وجدان الشعب وحاضرة في كل شبر من ترابه ماضية بثباتها للأمام، وتتشكّل في كل مرة على نحو أرحب، وبالعودة إلى الثورات الوطنية السابقة واللاحقة نستنبط أن الهُويّة السودانية قد حجزت مكانها من التاريخ وسطّرت لنفسها أيقونة من التحدّي والصمود.

فقد صمدت الهُويّة السودانية في وجه الأنظمة الشمولية وقاومت المحن والظروف وواجهت كل المتغيّرات الثقافية والأيديولوجية والسياسية التي تحاصرها من كل الجوانب، فالحكومات المدنية والعسكرية المتعاقبة على حكم السودان هي التي ساهمت في صناعة أزماتها وزيادة تعقيداتها لما يلازمها من فشل في الإدارة والأخلاق، حيث أساءت التنوع وتهرّبت من دفع فواتير التنمية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر: عندما سيطرت الحركة الإسلامية على السلطة في عام 1989م اختزلت الدولة في نفسها وشرخت هٌويّاتها السياسية والاقتصادية والوطنية والدينية واللغوية والثقافية والعرقية وما إلى ذلك، ثم فصلت الجنوب في عام 2011م، ونشرت الحروب في ماتبقى من التراب السوداني، وبرغم استمرارية الحروب، ظلّت الهُويّة السودانية حاضرة في وجدان الشعب ووسط العامة وفي الأفراح والأتراح والأسواق والأزياء والأديان والأكلات واللغات والثقافات والفنون والتقاليد والعادات، كما ظلّت الهُويّة السودانية أكثر تماسكا من مؤسسات الدولة -المدنية والعسكرية- والتي ولدت مشوّهة ومشروخة وحاملة في طيّاتها شهادات وفاتها وبدلا أن تسعى تلك المؤسسات لمعالجة أمراضها، ضاعفت من عوامل انهيارها ومارست على مواطنيها شتى أشكال العنصرية الحزبية والعسكرية والجهوية والسياسية، وقد جثمت على صدر الشعب قرابة السبعون عاما، مع علمها التام بأنها مقسومة في داخلها إلى مركز وهامش وتابع ومتبوع، ولم تصلح يومًا من الأيام على أن تكون مرآة قومية جامعة للشعوب السودانية أو صورة عامة من حياتها اليومية، كما تجاهلت قيمة الإنسان السوداني واستهترت بتنوعه.

إن تماسك الهُوية السودانية يُعزى في عراقتها وتسامح مشتركاتها، وتكامل عناصرها، فالشعب السوداني -نوعا ما- يعتبر أكثر ثباتًا من الشعوب الأخرى والتي مرّت بنفس التجارب المريرة ومن ضمنها الشعبين الأمريكي والماليزي، ويكمن الفرق بينها وبين السودان، هو أن تلك الدول نجحت في معالجة أخطائها ولجأت إلى تطبيق الديموقراطية والعلمانية والفيدرالية والعدالة والتنمية المتوازنة، والهُوية في مفهومها الأعم.. تعني وجود قواسم مشتركة بين السكان في منطقة جغرافية محدّدة، وتتجدّد من حين إلى آخر وتختلف نسبيًّا من قومية إلى أخرى ومن إقليم إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.

فالتطور الإيجابي بالنسبة للهُوية، وفي بلد متعدد الثقافات مثل السودان، يعتمد على حماية العموميات والخصوصيات ورعاية المشتركات والمختلفات وبشكل متوازي ومتساوي بين جميع المكونات الاجتماعية للدولة، وينبغي عليها أن تسعى إلى تحديد نوعية العلمانية والفيدرالية والديمقراطية المناسة مع تركيبة الدولة السودانية مع ضرورة أختيار الآليات المناسبة لإدارة التنوع كالفيدراليات الثقافية والمالية والمعيارية والديموقراطية التعددية وبوتقة الانصهار السودانية ومنظور الوحدة في اطار التنوع والعدالة الإجتماعية والتنمية المتوازنة والوقوف علي مسافة واحدة من جميع القوميات والتوزيع العادل للسلطة والثروة والموارد وإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق اسس وطنية جديدة وتطبيق القوانين التي تدعو للعدل والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات ومحاربة كافة أشكال العنصرية المعلنة والخفية ومنح الاقاليم فرصة اكبر للتحكم في مواردها وادارة التنوع في داخلها من باب أهل مكة ادري بشعابها.وزيادة صلاحياتها القانونية والتشريعية وما إلى ذلك.

Comments (0)
Add Comment