الكيزان ونار الحرب: حين يحترق النافخون بها

بقلم: حسن عبد الرضي الشيخ

95

الكيزان ونار الحرب: حين يحترق النافخون بها

بقلم: حسن عبد الرضي الشيخ

 

قرأت، اليوم، مقالا ممتازا للصحفي خالد أبو احمد ردا على فيديو للصحفي “الكوز” الطاهر حسن التوم وزمرته من المطبلين، أحببت أن اعلق عليه في المساحة التالية.

يأتي مقال الصحفي خالد أبو أحمد في توقيت دقيق ليضع الأمور في نصابها، بعد أن بدأ بعض رموز الإعلام الإسلاموي في السودان، مثل الطاهر حسن التوم، بالبكاء على ضحايا حرب كانوا من مهندسيها، يندبون مصيرًا رسموه بأنفسهم ويذرفون دموع التماسيح على آلاف القتلى الذين كان إعلامهم هو الوقود الأول لمحرقتهم.

لقد كان الطاهر حسن التوم وغيره من أبواق النظام السابق في قلب ماكينة التحريض والتعبئة، يصنعون الأوهام، ويروجون لخطاب “الجهاد” الذي لم يكن سوى حرب عبثية تهدف إلى إعادة “دولة التمكين” التي أسقطها الشعب السوداني بثورته المجيدة. والآن، بعدما تخلى عنهم زعيمهم البرهان، ووجدوا أنفسهم خارج حسابات السلطة، بدأوا يراجعون خطابهم، لا بدافع الضمير، ولكن لأن سفينتهم قد غرقت، ولم يعد هناك من يمول خطابهم المحرض أو يستمع إليه.

من الغريب أن يتحدث الطاهر حسن التوم عن المأساة وكأنه مجرد شاهد، بينما كان جزءًا من الآلة الإعلامية التي ضخّت خطاب الكراهية ومهدت لهذه الحرب الكارثية. لكن هل يمكنه التنصل من مسؤوليته؟ بالطبع لا. فالتاريخ لن ينسى التسجيلات والبرامج التي بثها وأشرف عليها، والتي كانت تعج بالأناشيد الحماسية، والتحريض المباشر، والدعوات للقتال تحت راية “التمكين الجديد”.

كما يجب أن يتوجه الردٌ على كتاب أخرين من الكيزان، امثال: الدرديري والهندي وعبد الماجد وغيرهم. ولا يمكن الحديث عن التلاعب بالعقول والتحريض على الحرب دون الإشارة إلى كتاب الكيزان، الذين ما زالوا ينفخون في رماد الفتنة، رغم أن النيران التي أشعلوها قد التهمت كل شيء، بما في ذلك سلطتهم المزعومة.

فالدرديري محمد أحمد، الذي كان من مهندسي اتفاقيات النظام البائد، ظل يروج لخرافة أن الحرب هي “معركة استعادة الشرعية”، رغم أن الشرعية الحقيقية كانت في يد الشعب، الذي أسقط حكم الإنقاذ بثورته العظيمة. والهندي عز الدين، الذي لطالما باع قلمه لمن يدفع أكثر، ظل يكتب دفاعًا عن “الشرعية المفقودة”، متناسيًا أنه كان من بين من باركوا سقوط البشير، قبل أن يعود للترويج لخطاب العسكر عندما رأى أن مصالحه في خطر. وعبد الماجد عبد الحميد وناجي مصطفى، وغيرهم من دعاة العنف والتطرف، ظلوا يروجون لفكرة أن هذه الحرب هي “جهاد في سبيل الله”، بينما كانت في حقيقتها مجرد صراع على السلطة بين العسكر والطامحين للعودة إلى كراسي الحكم.

والغريب أن وهم العودة إلى السلطة ما يزال يراود كثير من الحالمين الواهمين من المطبلين والابواق الفارغة. فلا يزال بعض هؤلاء الصحفيين المنافقين، مثل عامر حسن وناجي مصطفى، يعيشون في وهم أن الحرب يمكن أن تعيدهم إلى السلطة، رغم أن الواقع يقول غير ذلك. فقد انفض عنهم حلفاؤهم، وتبرأ منهم حتى من استخدمهم، ووجدوا أنفسهم مجرد أصوات جوفاء، تحاول إثارة الفوضى عبر الكتابة والظهور الإعلامي، دون أن يكون لهم أي تأثير حقيقي على مجريات الأمور.

في الخلاصة، إن مقال خالد أبو أحمد لم يكن مجرد نقد للإعلاميين المحرضين، بل كان شهادة تاريخية على تورطهم في هذه الحرب المدمرة. وإن كان هناك درس يجب أن يتعلمه السودانيون من هذه التجربة، فهو أن الإعلام الذي يحرض على الحرب لا يمكن أن يكون بريئًا من نتائجها، وأن من يروج للعنف لا يمكنه أن يتحول إلى ضحية بمجرد أن تنقلب عليه الظروف.

 

إن العدالة تقتضي أن يُحاسب كل من شارك في الترويج لهذه الحرب، سواء كان سياسيًا، أو عسكريًا، أو إعلاميًا. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.