“أماني” الأهرام والعار••كيف تحولت بيوت الخبرة إلى أدوات مخابراتية ضد إرادة الشعوب؟
لنا مهدي
عندما تتحول مراكز الأبحاث إلى منصات دعائية للأنظمة القمعية وعندما يصبح الباحثون أبواقاً تردد ما يملى عليهم دون وعي أو تحليل ندرك أننا أمام سقوط أخلاقي وفكري مدوٍّ فهذا هو حال أماني الطويل ومن على شاكلتها ممن باعوا أقلامهم ومواقعهم العلمية في خدمة أجندات لا علاقة لها بالبحث أو الاستراتيجية وإنما تتماهى تماماً مع سياسات المخابرات المصرية التي لم تعد ترى في السودان سوى ساحة نفوذ يجب التحكم فيها بأي ثمن ؛ فتصريحها الأخير حول استضافة كينيا لفعاليات مؤتمر ميثاق السودان التأسيسي وما سيليه من فعاليات التوقيع الرسمي للقوى الوطنية في لم يكن رأياً أكاديمياً بقدر ما كان بياناً أمنياً يعكس حالة الفزع التي تعيشها الأجهزة المصرية إزاء أي مسار سياسي في السودان لا يخضع لإملاءاتها
منذ متى أصبحت مصر حريصة على استقرار السودان وهل كانت القاهرة غائبة عندما انهارت البلاد في حرب طاحنة أم أنها كانت طرفاً خفياً في تأجيجها؟ لماذا لم نسمع صوتاً واحداً من هذه الأبواق حينما تحولت الخرطوم إلى ساحة للدماء والدمار؟! ولماذا لم يطالبوا بتحرك عربي وأفريقي لوقف الجرائم التي ارتكبها الجيش وميليشيات الإسلام السياسي؟! بل كانوا يديرون ظهورهم حينما كان المدنيون يسحقون تحت نيران الطائرات والمدافع في أم درمان والخرطوم ودارفور والجزيرة!
لكن عندما اجتمعت القوى السودانية للبحث عن بديل سياسي يعيد للبلاد بوصلتها تذكرت أماني الطويل فجأة الأمن الإقليمي واستقرار كينيا وكأن هذه الدولة الإفريقية ليست صاحبة سيادة يحق لها أن تستضيف ما تشاء من لقاءات سياسية وكأن السودان بات ولاية تابعة للحكومة المصرية لا يجوز أن تتحرك أي قوة سياسية فيه إلا بمباركة من القاهرة
هذه اللغة العدائية تجاه كينيا تعكس الفشل المصري في فرض أجندتها بالقوة فبعد أن حاولت القاهرة التحكم في مسارات الأزمة السودانية عبر دعم قوى محددة وتهميش أخرى وفشلت في ذلك لم تجد سوى أسلوب التهديد والوعيد ؛ لكن تهديد كينيا بمشاكل داخلية بسبب استضافتها لمؤتمر سوداني ليس سوى محاولة يائسة لتخويف الدول الإفريقية من التعامل مع السودان خارج العباءة المصرية وهو تكتيك رخيص لا ينطلي على أحد! فقد حاولت مصر سابقاً ممارسة الضغوط ذاتها على إثيوبيا وفشلت كما أنها استخدمت الأسلوب ذاته مع جنوب السودان ولم تحصد سوى مزيد من العزلة الإفريقية
أما الحديث عن أن السلوك الكيني يتعارض مع مواثيق الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي فهو قمة السخرية لأن مصر نفسها كانت أول من خرق هذه المواثيق عندما دعمت الانقلابات والتدخلات العسكرية في السودان وعندما وقفت موقف المتفرج من الجرائم الإنسانية التي حدثت بحق الشعب السوداني فكيف لها اليوم أن تتحدث عن القانون والشرعية ؟! وأي شرعية تلك التي تتحدث عنها أماني الطويل ؟! هل هي شرعية العسكر والانقلابات أم شرعية القوى التي لا ترى السودان إلا من منظور التبعية الكاملة للقاهرة؟!
ما حدث في نيروبي هو تعبير عن إرادة سودانية تبحث عن حلول سياسية بعيدة عن الوصاية الخارجية، لكن هذا المشهد لا يعجب مصر التي لم تتقبل يوماً فكرة أن السودان يمكن أن يقرر مصيره بنفسه دون الحاجة إلى إذن من المخابرات المصرية؛ فخطاب أماني الطويل ليس سوى امتداد لهذه السياسة الفاشلة التي ترى في السودان حديقة خلفية لمصر وليس دولة ذات سيادة وقرار مستقل لكنها تناست أن السودان الجديد الذي يتشكل لن يكون خاضعاً لأوهام الهيمنة القديمة ولن يتردد في تسمية الأمور بمسمياتها وفضح الأدوات الرخيصة التي تحاول أن تفرض نفسها على مستقبله