قائد ثورة المهمشين محمد حمدان دقلو 

بقلم/ د. اسامة محمد جمعة داؤد 

116

قائد ثورة المهمشين محمد حمدان دقلو 

(دراسة تاريخية)

 

بقلم/ د. اسامة محمد جمعة داؤد

رئيس قسم الدراسات والبحوث بالمركز الافريقي للديمقراطية والتنمية

1/ اسمه ومولده:

ولد الفريق أول محمد حمد دقلو عام ( 1976م )، في مدينة كُتُم شمال غرب السودان ، وقد قال في لقاء مع الطاهر حسن التوم في العام 2017م بأنّ عمره (41) عاماً () ، وفي عام (1983م)غادر برفقة أسرته من (كتم) إلى مدينة (الضِعين) ، وذلك بسبب الجفاف الشديد الذي اجتاح أجزاء كبيرة من السودان حينئذٍ، خاصة منطقة شمال دارفور() ، وينحدر من عشيرة الماهرية أحد بطون قبيلة الرزيقات وهي قبيلة عربية بدوية وتعتبر من أكبر القبائل المنتشرة في اقليمي دارفور وكردفان().

2/ لقبه :

اشتهر الفريق أول محمد حمدان دقلو بلقبه (حميدتي) حتى أصبح لقبه متداولاً أكثر من اسمه ، وحميدتي يعتبر )تصغير لمحمد في اللهجة السودانية – ما يوازي حمادة بالعامية المصرية(() ، وقد لقب بحميدتي تحبباً وتلطفاً، وقيل لتمتعه بملامح طفولية وهو مصطلح تستخدمه الأم عادة كناية عن محمد الصغير() ويروى أن الرئيس السابق عمر البشير كان يلقبه ب “حمايتي”، بمعنى “الذي يحميني”. ()

3/ حياته العلمية:

انقطع عن الدراسة وكان عمره خمسة عشر عاماً عام 1991م، وتلقي دروساً أولية في الكتابة و القراءة عبر أساتذة متخصصين في تعليم الكبار “() ، وقد قال في لقاء تلفزيوني أنّه درس القرآن في إحدى خلاوي دارفور، ويقول مقربون منه إنّه يحفظ الكثير من آي الذكر الحكيم، ولم يكن لأحد أن يتخيل أنّ هذا الصبي “النحيل” الذي لم يحظَ إلّا بقدر يسير من التعليم،.أن يلعب دوراً مهماً في صناعة مصير السودان وتشكيل مستقبله”()، لكن عبقرية أهل المراعي المتوارثة من لدن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، قد حملته حملاً يسيراً إلى هذه المكانة السامية.

4/ حياته العملية:

بدأ الجنرال حميدتي حياته العملية مبكراً فقد عمل تاجراً في سوق مليط حتى 1989م ويبدو أنّه كان طالباً طوال فترة عمله ، ثم تخلي عن التجارة بسبب العائد المتقطع() وقيل إنّه ظل يعمل في التجارة المنقولة بين مدينتي “مليط” و”نيالا” ثلاث سنوات، حتى حققت تجارته نجاحاً ملموساً ثم انتقل للعمل بين السودان وتشاد وجنوب ليبيا().

وكان حينئذٍ يمارس تجارة الإبل والقماش وحماية القوافل حتى عرف بقيادة مجموعة صغيرة لتأمين القوافل ، وتنقل بين دارفور وتشاد وليبيا ومصر بائعاً للإبل().

كانت الإبل تجمع من جميع مناطق دارفور في مدينة مليط الحدودية ثم تنطلق الرحلة الي ليبيا عبوراً بالصحراء ، وتنتهي الرحلة في مدينة الكفرة الليبية ، وكان تجار الإبل يثقون في القائد حمدتي الذي عرف بحفظ الأمانة والصدق منذ ذلك الوقت ، لذلك قد أسندوا له عملية الاشراف على إبلهم ورعايتها وحفظها .

5/ حياته العسكرية: كان القائد حميدتي مستقراً في تجارته “لكنّ أمراً ما حدث له، عام 2002، غيّر طموحاته وقلب حياته رأساً على عقب، فقد قتل قطاع الطرق أحد إخوته؛ بينما كان متوجهاً إلى ليبيا برّاً، على رأس قطيع من الإبل، لبيعه هناك”()، فقرر الانضمام إلى قوات حرس الحدود.

عاد القائد حميدتي من ليبيا 2003م وانضم رسمياً إلى حرس الحدود ” ، في بداية 2004م بقوات قليلة، نحو 200 شخص، تم تدريبهم في الجنوب”() ، وكان عمره 28 عاماً، وقال مبرراً انضمامه لحرس الحدود : ” إن المعارضين اعتدوا على قافلة لتجار إبل من معارفه خلال توجهها إلى ليبيا، في هجوم أسفر عن مقتل 75 رجلاً وسرقة ثلاثة آلاف جمل”

يقول الجنرال حميدتي إنه : اختلف مع الحكومة على ما يحدث في دارفور ثلاث مرات، في 2004م ، وقواته حينئذٍ كانت نحو( 400 ) من العسكر المدربين، الذين ينفذون خطط هيئات العمليات().

حضر القائد حميدتي في 2006م للخرطوم بغرض مقابلة الرئيس السابق عمر البشير ولكنه لم يفلح في مبتغاه وظل موجوداً لمدة ستة أشهر دون الوصول للبشير ، حيث ذكر الجنرال حميدتي في مقابلة إعلامية إنه فكر في مغادرة الخرطوم بعد فشله في مقابلة البشير إلا أن لقاءً عابراً جمعه مع عبد الله مسار … أسهم في فتح الطريق أمامه

 

قال الجنرال (الفريق أول) في مقابلة تلفزيونية: سألني الرئيس البشير عن مطالبي، فقلت ثلاثة: “أن أشارك مشاركة حقيقية في السلطة، وأن يُمنح جنودي رتباً عسكرية، وأن تعمل الحكومة على تنمية دارفور فأقسم لي البشير بأنه سيحقق كلّ مطالبي”.().

عقب التوقيع على اتفاق أبوجا، الذي وقعته الحكومة مع مجموعة من الفصائل الدارفورية بقيادة حركة “تحرير السودان” (جناح مني أركو مناوي) في عام 2006.() ، سحب الفريق أول حميدتي قوة من “حرس الحدود”، يمتلك تأثيراً عليها، وظهر في فلم وثائقي نشره التلفزيون البريطاني وهو قائد لقوة تستعد للثورة على الخرطوم. وقد ظهر حينئذٍ ببذة عسكرية وهو يخفي جزءً من وجهه وينفي أي ضلوع له في تجاوزات().

لكن الحكومة، في حينها، نجحت في إقناعه بالعودة إلى أحضانها، بعدما وافقت على طلباته، وأعطته تطمينات، ووعدت بترقيته وجنده ، فتمت المصالحة في النهاية ” ()، فعاد الجنرال حميدتي لحياته العادية و لكن في شهر مايو من 2008م ضربت حركة العدل والمساواة السودانية أم درمان وقد شكلت الضربة صدمة كبري للنظام وكل من يناصرونه ، وهو ما دفع النظام للاستعانة بالجنرال حميدتي من جديد ، ووضعت الترتيبات لزيارته إلي الخرطوم للقاء البشير شخصيا ًو لقد تم كل شي بنجاح)) وفي العام 2010م تم تعيين حميدتي مستشاراً في لجنة أمن ولاية جنوب دارفور بنيالا().

وفي العام 2012 أعلنت الحكومة عن تأسيس قوات الدعم السريع وتم الاستغناء عن خدمات موسي هلال بسبب اتصالاته مع قادة الحركات المسلحة ، ودخوله في صراع مع يوسف كبر والي شمال دارفور().

سعى الجنرال  “حميدتي” لتقنين وضع قوات الدعم السريع كـ “جنود” للحصول على وضع قانوني خاص، ونجح في ذلك بعد زيارة إلى الخرطوم، حيث تلقف الجيش باستحسان فكرة وجود  قوات مساندة تسهم في حفظ الأمن والدفاع عن الوطن وتوّج ذلك الجهد عام 2017 حين أصدر البشير قراراً بترقيته لرتبة فريق، ومنح قواته الحق في التدخل الفوري لحسم أي شغب متمثل في إنقلاب أو تظاهرات،() وفي العام 2017 نفسه وصف عمر البشير، في لقاء جماهيري حاشد في دارفور، قوات الدعم السريع قائلاً: “ليس هنالك رئيس في العالم لديه مثل قوات الدعم السريع، ومثل قائدها الذي طلبنا منه جلب 5 آلاف شاب مقاتل خلال أسبوعين، فجاء بـ6 آلاف، خلال أسبوع واحد”.

6/ علاقاته الخارجية:

اكتسب الجنرال حميدتي بسبب قواته بُعداً إقليمياً مكّنه من التقارب مع ولي عهد الإمارات الأمير محمد بن زايد، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان

7/ حياته الساسية:

رفض الجنرال حميدتي في البداية المشاركة في المجلس العسكري، ولكنه عدل عن رأية بعد أن تنحي الفريق عوض بن عوف الذي رفضه الشارع ، ومُنح رتبة “فريق أول” مقرونة بمنصب نائب أول في المجلس العسكري.()

ويعتبر اصغر كثيراً من أي ضابط آخر في المجلس العسكري ، بل يعد أصغر ضابط سوداني يصل لهذا المنصب ، ثم اختير لاحقاً نائباً لرئيس المجلس السيادي.

 

مميزات مؤسس قوات الدعم السريع

الفريق أول محمد حمدان دقلو

تميز الجنرال حميدتي بطوله الفارع وملامحه الطفولية ووجهه الصبوح ، وهدوئه الحاد ، وهيبته التي تجعل الجميع يحترمونه من دون خوف وعفويته التي يبتدر بها الكلام أما من حيث شخصيته فقد تميز بعدة صفات وهي كما يلي:

1/ القدرة على تحدي الصعاب:

عرف الجنرال حميدتي، بالقدرة على تحدي المصاعب وعدم السكون للضغط والمنعرجات ، وهذه السمة قد أفادته في الخروج سالماً غانماً من عديد المكائد التي دبرت للنيل منه ومن قواته ، وأسهمت هذه السمة في وصوله السريع لأعلى المناصب السياسية في الدولة. ، “ويعتبره بعض المراقببن الحاكم الفعلي الحالي للسودان في حكومة الثورة”()

2/ القدرة على إدارة مشاكل القبائل:

يتمتع الفريق أول حميدتي بعلاقات طيبة مع جميع أعلام الإدارة الأهلية في السودان ، ويكن لهم كل التقدير والإحترام ، لذلك نجدهم يبادلونه نفس المشاعر والتقدير ، وهذه العلاقات الودية مكنته من حل الكثير من المشاكل القبلية التي نشبت في الفترة الماضية في الشرق والغرب.

3/ التواضع :

ويتمثل تواضع الجنرال حميدتي في القرب من جنوده والبساطة في التعامل مع الناس.” ولم يغيره بريق السلطة عن ما كان يقوم به قبل الجلوس على كرسي القصر”().

4/ الذكاء: يتمتع الجنرال حميدتي بالذكاء الفائق الذي يمكنه من قراءة الأحداث قبل وقوعها ، وقد وصف عقله( بالذري) ، وقال دبلوماسي أوروبي التقى الجنرال حميدتي بعد إقالة وتوقيف البشير، “رغم أنه ليس متعلماً، يبدو في مبادلاته رجلاً ذكياً للغاية ويمسك بزمام الأمور”.()

5/ الحيوية والديناميكية:

يتمتع الجنرال حميدتي بسمة الحيوية والنشاط ، وهكذا ورد في تقرير للبي بي سي وصفه بأنه ” مقاتل شاب يتمتع بحيويةٍ مميزة”()، وقد استطاع بهذه السمة التي يفتقدها معظم الساسة في السودان أن يسيطر على السوق السياسي بالرغم من حداثته.

6/ الصدق الأمانة:

عرف الجنرال حميدتي منذ نشأته بالصدق والأمانة ، مما جعل تجار الإبل يثقون فيه ،ويستأمنونه إبلهم التي تقدر بمليارات الجنيهات لتوصيلها الى أسواق الإبل في الدول المجاورة ، وقد ظل قائداً لقوات الدعم السريع لعدة سنوات لم يشتك منه أحد من جنده ولم يقدح أحد في أمانته ، بل نجده بدأ ثورته على الفاسدين قبل 100يوم من سقوط نظام الانقاذ

7/ الشجاعة : عرف القائد حميدتي بالشجاعة وبهذه السمة أصبح ” أقوى قائد عسكري ” في السودان ، واستطاع إمتلاك القوة العسكرية التي سخرها لحماية الوطن والقوة المالية، التي سخرها لخدمة المجتمع ” وقدم نفسه وقواته لحماية الثورة”().

8/الوضوح: يتحلى الجنرال حميدتي بسمة الوضوح ويتمنى أن يكون الأخرون أكثر وضوحاً ويقول ” إن التغيير الذي ينشده الشعب السوداني يجب أن يبنى على الوضوح والبعد عن الأكاذيب” ، وقد قال بعض المحللين السياسيين إن وضوح الجنرال حميدتي في مجال السياسة يعد خصماً عليه،لأنّه واضح “في مواقفه ولا يعرف الدبلوماسية” ().، لكن هذا الرأي يكذبه الواقع لأنّ الجنرال حميدتي بالرغم من وضوحه استطاع أن يكتسب حاضنة سياسية كبيرة، لايستهان بها.

9/ القدرة على اقتناص الفرص:

المراقب لمسيرة حميدتي يخلص إلى قدرة الرجل على اقتناص السوانح وتحويل الخسارة المحتملة إلى نصر مبين(.(، مما يشير إلى توافر أهم سمات القادة والرؤساء في شخصه.

10/ الطموح:

يتمتع الجنرال حميدتي بطموح لا يعرف اليأس ، استطاع ان ينقله هذا الطموح في فترة وجيزة من قائد جماعة تقوم بحماية وتأمين الإبل ، إلى قائد في حرس الحدود ، ثم إلى قائد لقوات الدعم السريع ، وأخيراً نائباً لرئيس المجلس العسكري ثم الرجل الثاني في مجلس السيادة السوداني ، وقد وصفه أحد معارضية بأن “لديه طموح بلا حدود” () ، وهذا الطموح الايجابي جعله يحقق رقماً قياسياً في سرعة الترقي ، إذ خلال أقل من عشرة أعوام اقترب من الوصول إلى السقف الأعلى من تراتبية الجيش().

11/ القومية:

الجنرال حميدتي رجل قومي سخره الله لخدمة أقاليم السودان وقبائله ، نزه نفسه عن المناطقيه والعنصرية وشهدت له أفعاله وأقواله بذلك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.